أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

161

العقد الفريد

القيظ ؛ أملهنا حتى ينسلخ عنا الحرّ ! وإذا أمرتكم بالمسير إليهم ضحى في الشتاء ، قلتم : [ صبارّة القرّ ] « 1 » أمهلنا حتى ينسلخ عنا هذا القرّ ! كل هذا فرارا من الحرّ والقرّ ؛ فأنتم واللّه من السيف أفرّ ! يا أشباه الرجال ولا رجال ! ويا أحلام « 2 » أطفال وعقول ربات الحجال ! وددت أنّ اللّه أخرجني من بين أظهركم ، وقبضني إلى رحمته من بينكم ، وأني لم أركم ولم أعرفكم ! معرفة واللّه جرّت وهنا ! [ لقد ملأتم قلبي قيحا ] ووريتم واللّه صدري غيظا ، وجرعتموني الموت أنفاسا ، وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان ، حتى قالت قريش : إنّ ابن أبي طالب شجاع ولكن لا علم له بالحرب ! للّه أبوهم ! وهل منهم أحد أشدّ لها مراسا وأطول تجربة مني ؟ لقد مارستها وأنا ابن عشرين ، فها أنا ذا الآن قد نيّفت على الستين ، ولكن لا رأي لمن لا يطاع ! وخطبة له رضي اللّه عنه ، قام فيهم فقال : أيها الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم ! كلامكم يوهي الصم الصّلاب وفعلكم يطمع فيكم عدوّكم ؛ تقولون في المجالس كيت وكيت ؛ فإذا جاء القتال قلتم : [ حيدي ] « 3 » حياد ما عزت دعوة من دعاكم ؛ ولا استراح قلب من قاساكم ؛ أعاليل بأباطيل ؛ وسألتموني التأخير ؛ دفاع ذي الدّين الممطول ؛ ألا [ لا ] يدفع الضيم الذليل ، ولا يدرك الحقّ إلا بالجدّ . أيّ دار بعد داركم تمنعون ؟ أم مع أي إمام بعدي تقاتلون ؟ المغرور واللّه من غررتموه ؛ ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب ! أصبحت واللّه لا أصدّق قولكم ؛ ولا أطمع في نصرتكم ؛ فرّق اللّه بيني وبينكم ، وأعقبني بكم من هو خير لي منكم ! وددت واللّه أن لي بكل عشرة منكم رجلا من بني فراس بن غنم ، صرف الدينار بالدرهم ! وخطب إذا استنفر أهل الكوفة لحرب الجمل ، فأقبلوا إليه مع ابنه الحسن رضي اللّه عنهم ، فقام فيهم خطيبا فقال :

--> ( 1 ) القرّ : البرد . ( 2 ) أحلام : عقول . ( 3 ) حبدي : ميلي ، يريد تنحي عني أيتها الحرب .